محمد بن جرير الطبري

191

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ بمعنى : وجعل منهم القردة والخنازير ، ومن عبد الطاغوت ؛ لأنه ذكر أن ذلك في قراءة أبي بن كعب وابن مسعود : " وجعل منهم القردة والخنازير وعبدوا الطاغوت " بمعنى : والذين عبدوا الطاغوت . ففي ذلك دليل واضح على صحة المعنى الذي ذكرنا من أنه مراد به : ومن عبد الطاغوت ، وأن النصب بالطاغوت أولى على ما وصفت في القراءة لإعمال " عبد " فيه ، إذ كان الوجه الآخر غير مستفيض في العرب ولا معروف في كلامها ؛ على أن أهل العربية يستنكرون إعمال شيء في " من " و " الذي " المضمرين مع " من " و " في " إذا كفت " من " أو " في " منهما ، ويستقبحونه ، حتى كان بعضهم يحيل ذلك ولا يجيزه . وكان الذي يحيل ذلك يقرؤه : " وعبد الطاغوت " ، فهو على قوله خطأ ولحن غير جائز . وكان آخرون منهم يستجيزونه على قبح ، فالواجب على قولهم أن تكون القراءة بذلك قبيحة ؛ وهم مع استقباحهم ذلك في الكلام قد اختاروا القراءة بها ، وإعمال وجعل في " من " وهي محذوفة مع " من " ولو كنا نستجيز مخالفة الجماعة في شيء مما جاءت به مجمعة عليه ، لاخترنا القراءة بغير هاتين القراءتين ، غير أن ما جاء به المسلمون مستفيضا ، فهم لا يتناكرونه ، فلا نستجيز الخروج منه إلى غيره ؛ فلذلك لم نستجز القراءة بخلاف إحدى القراءتين اللتين ذكرنا أنهم لم يعدوهما . وإذ كانت القراءة عندنا ما ذكرنا ، فتأويل الآية : قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله : من لعنه ، وغضب عليه ، وجعل منهم القردة والخنازير ، ومن عبد الطاغوت . وقد بينا معنى الطاغوت فيما مضى بشواهده من الروايات وغيرها ، فأغنى ذلك عن إعادته هاهنا . وأما قوله : أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ فإنه يعني بقوله : " أولئك " : هؤلاء الذين ذكرهم تعالى ذكره ، وهم الذين وصف صفتهم ، فقال : من لعنه الله ، وغضب عليه ، وجعل منهم القردة والخنازير ، وعبد الطاغوت ؛ وكل ذلك من صفة اليهود من بني إسرائيل . يقول تعالى ذكره : هؤلاء الذين هذه صفتهم شر مكانا في عاجل الدنيا والآخرة عند الله ممن نقمتم عليهم يا معشر اليهود إيمانهم بالله وبما أنزل إليهم من عند الله من الكتاب وبما أنزل إلى من قبلهم من الأنبياء ، وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ يقول تعالى ذكره : وأنتم مع ذلك أيها اليهود ، أشد أخذا على غير الطريق القويم ، وأجور عن سبيل الرشد والقصد منهم . وهذا من لحن الكلام ، وذلك أن الله تعالى ذكره إنما قصد بهذا الخبر إخبار اليهود الذين وصف صفتهم في الآيات قبل هذه بقبيح فعالهم وذميم أخلاقهم واستيجابهم سخطه بكثرة ذنوبهم ومعاصيهم ، حتى مسخ بعضهم قردة وبعضهم خنازير ، خطابا منه لهم بذلك تعريضا بالجميل من الخطاب ، ولحن لهم بما عرفوا معناه من الكلام بأحسن اللحن ، وعلم نبيه صلى الله عليه وسلم من الأدب أحسنه ، فقال له : قل لهم يا محمد ، أهؤلاء المؤمنون بالله وبكتبه الذين تستهزءون منهم شر أم من لعنه الله ؟ وهو يعني المقول ذلك لهم . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ يقول تعالى ذكره : وإذا جاءكم أيها المؤمنون هؤلاء المنافقون من اليهود ، قالوا لكم : " آمنا " : أي صدقنا بما جاء به نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم ، واتبعناه على دينه ، وهم مقيمون على كفرهم وضلالتهم ، قد دخلوا عليكم بكفرهم الذي يعتقدونه بقلوبهم ويضمرونه في صدورهم ، وهم يبدون كذبا التصديق لكم بألسنتهم . وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ يقول : وقد خرجوا بالكفر من عندكم كما دخلوا به عليكم لم يرجعوا بمجيئهم إليكم عن كفرهم وضلالتهم ، يظنون أن ذلك من فعلهم يخفى على الله جهلا منهم بالله . وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ يقول : والله أعلم بما كانوا عند قولهم لكم بألسنتهم : آمنا بالله وبمحمد وصدقنا بما جاء به ، يكتمون منهم بما يضمرونه من الكفر بأنفسهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا الآية : أناس من اليهود كانوا يدخلون على النبي صلى الله عليه وسلم ، فيخبرونه أنهم مؤمنون